وهبة الزحيلي

63

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ أي وسبحوه ونزهوه أيضا وقت العشي أو العشاء : وهو شدة الظلام ، وفي وسط النهار وقت الظهيرة . قال الماوردي : الفرق بين المساء والعشاء : أن المساء : بدوّ الظلام بعد المغيب ، والعشاء : آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب . ويلاحظ أن تخصيص هذه الأوقات بالتسبيح إنما هو بسبب وجود معالم الانتقال المحسوس من حال إلى حال ، ومن زمن إلى زمن ، يشمل جميع أجزاء اليوم ، بدءا من الصبح أو النهار وقوة الضياء ، إلى الظهر حين تتحول الشمس من جهة المشرق إلى المغرب ، إلى العصر حين يبدأ أفول النهار وقدوم العشي ، إلى المغرب بدء الظلام ، إلى العشاء في شدة الظلام . والمعنى : نزهوا اللّه عن صفات النقص ، وصفوه بصفات الكمال في جميع هذه الأوقات المتعاقبة ؛ لأن أفضل الأعمال أدومها . وفي هذا إشارة إلى أصول الإيمان الموجبة للظفر بروضات الجنان ، فبعد أن أبان اللّه تعالى أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل صالحا في قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أعلمنا أن الإيمان تنزيه بالجنان ، وتوحيد باللسان ، وأن العمل الصالح القيام بجميع الأركان ، وكل ذلك تسبيح ( تنزيه ) وتحميد ، يوصل إلى الحبور ( السرور والتنعم ) في رياض الجنان . وقد تكرر في القرآن لفت النظر إلى الإضاءة والإظلام ، وأن اللّه فالق الإصباح ، وجاعل الليل سكنا ، كما قال : وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [ الشمس 91 / 3 - 4 ] ، وقال : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [ الليل 92 / 1 - 2 ] ، وقال : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [ الضحى 93 / 1 - 2 ] .